الجصاص

216

أحكام القرآن

ومن سورة يوسف بسم الله الرحمن الرحيم قوله عز وجل : ( إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) ، فيه بيان صحة الرؤيا من غير الأنبياء لأن يوسف عليه السلام لم يكن نبيا في ذلك الوقت بل كان صغيرا ، وكان تأويل الكواكب إخوته والشمس والقمر أبويه ، وروي ذلك عن الحسن . قوله تعالى : ( لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ) ، علم أنه إن قصها عليهم حسدوه وطلبوا كيده . وهو أصل في جواز ترك إظهار النعمة وكتمانه عند من يخشى حسده وكيده ، وإن كان الله قد أمر بإظهاره بقوله تعالى : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) [ الضحى : 11 ) . قوله تعالى : ( ويعلمك من تأويل الأحاديث ) فإن التأويل ما يؤول إليه بمعنى ويرجع إليه ، وتأويل الشيء هو مرجعه ، وقال مجاهد وقتادة : " تأويل الأحاديث عبارة الرؤيا " . وقيل : " تأويل الأحاديث في آيات الله ودلائله على توحيده وغير ذلك من أمور دينه " . قوله تعالى : ( إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ) الآية . تفاوضوا فيما بينهم وأظهروا الحسد الذي كانوا يضمرونه لقرب منزلته عند أبيهم دونهم ، وقالوا : ( إن أبانا لفي ضلال مبين ) يعنون عن صواب الرأي ، لأنه كان أصغر منهم ، وكان عندهم أن الأكبر أولى بتقديم المنزلة من الأصغر ، ومع ذلك فإن الجماعة من البنين أولى بالمحبة من الواحد ، وهو معنى قوله : ( ونحن عصبة ) ، ومع أنهم كانوا أنفع له في تدبير أمر الدنيا لأنهم كانوا يقومون بأمواله ومواشيه ، فذهبوا إلى أن اصطفاءه إياه بالمحبة دونهم وتقديمه عليهم ذهاب عن الطريق الصواب . قوله تعالى : ( اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ) الآية ، فإنهم تآمروا فيما بينهم على أحد هذين من قتل أو تبعيد له عن أبيه . وكان الذي استجازوا ذلك